الكاتب: أحمد فراسيني
بينما تستمر آلة الحرب الإسرائيلية في ارتكاب أبشع جرائم الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة، يقدم المقاومون الفلسطينيون الناجون من الابادة نموذجاً فريداً في الصمود يتحدى كل الحسابات العسكرية التقليدية. هذه المقاومة التي تحطم الأرقام القياسية في التحدي، صمودا ومقاومة، مع كل التضحيات الجسام والفقد المرعب الا انها تدفعنا لإجراء دراسة مقارنة مع تجارب تاريخية مشابهة لفهم سر هذه المعجزة.
سؤال يتبادر الى الذهن عند مشاهدة مقاطع الفيديو التي تبثها المقاومة الفلسطينية عن عملياتها وكمائنها للاحتلال في غزة.
ما هي الإمكانات التي حصل عليها الجندي في حروب القرن العشرين؟
إن انعدام الإمكانيات المادية -تقريبا- لدى المقاوم الفلسطيني لم يتركه في آخر قوائم المقاتلين في العالم وبالذات في مواجهة مع من يتقدمون قوائم الجيوش الأكثر مهارة وقوة والاقل إنسانية واحتراما لقوانين الحروب.
في الحرب العالمية الثانية وما تبعها من حروب وأغلبها كانت تدور بين دول، لها جيشها وأسلحتها وتصنيعها ونظامها العسكري المبني على قواعد عسكرية صلبة وبغطاء مالي وسياسي، واجتماعي، وقومي وأيديولوجي من اجل الصمود. فمعا لنقارن تلك المحفزات والادوات التي يحصل عليها المقاوم الفلسطيني مع ما كان بحوزة المقاتل والجندي عبر قرن وربع القرن في حروب مختلفة.
الجندي السوفيتي: إرادة فولاذية في مواجهة النازية
مع قساوة الحرب وطولها الا ان الدول الكبرى تجبر الجندي على الاستمرار الى الامام ومنعه من العودة الى الخلف ولو خطوة واحدة، فالجيش السوفياتي اعتمد ببداية الحرب على الكثرة العسكرية بالجنود ودفع بجنوده ولو كانوا حفاة وجوعى الى الامام ونشر وحدة عسكرية تطلق النار على الجندي في حال تراجعه او انها كانت ترميه الى العدو بلا سلاح كي يقتل. هذا يعني ان الجندي يتقدم ويقاتل رغما عنه في كثير من الأحيان وان البطولات تصنع عنوة.
مع كل قسوة الحكم الستاليني وقتل الضباط وتصفية المترددين، كان الجندي يأكل خبزا عفنا مذوبا بالماء ويلبس حذاء من قش في البرد القارس، ولكن القانون يمنعه من التراجع. ففقد الجيش السوفياتي اكثر من ثمانية ملايين عسكري سوفياتي، وكان العمر الافتراضي 24 ساعة للجندي في معارك كمعركة ستالينينغراد مثلا.
لكن تسلح هذا الجندي بالأيدولوجيا والوطنية وبالتعبئة العامة وبالدولة القوية والمساحة الشاسعة متنوعة الاثنية والديموغرافيا والطوبوغرافيا والمناخ الصعب. وتسلح بالدعم الشعبي ولو تغيرت الأصول والثقافات، الا ببعض الحالات في أوروبا الشرقية.
الجيش الالماني كان أيضا يتسلح بالقدرة العسكرية والايدلوجيا والرغبة بالسيادة للعرق وان لم يؤمن الجندي بتلك الأفكار الا انه كان يتم اجباره على احترام القانون العسكري بكل الطرق ومنها التجنيد الاجباري، القتل، والقانون العسكري الحازم جدا وأيضا إعطاء الجنود مخدرات مثل البيرفيتين، حتى أصبح اغلب الجنود مدمنين على المخدرات التي تمكنهم من التحرر من رادع الضمير، والأخلاق وضعف الإرادة والجسد. وهنا الملاحظة هي ان الجندي كان يحتاج دوافع ومنشطات غير طبيعية ليستمر بقتاله ومعركته ضد الآخر.
المقاتل الفيتنامي: عندما تهزم التضاريس التكنولوجيا
بمواجهة القوات الامريكية تسلح الفيتناميون بالتضاريس من خلال الانفاق والجبال والغابات والوديان وبالعدد، اذ تم استدعاء المراهقين أيضا من سن 14 الى 16 عام وتسلح الجندي الفيتنامي بالثقافة الثورية التي ترفض الهزيمة. الفيتنامي قرأ خريطة وطنه ووثق بأرضه القادرة على حمايته بالرغم من القنابل الحارقة التي قتلت أكثر من مليون ومائة ألف جندي فيتنامي. تسلح الجندي الفيتنامي بالحاضنة الشعبية من الفلاحين مثلا، الذين كانوا يهيؤوا كل الممكن لجنودهم.
قال جندي امريكي: كنا نحارب شعبا يعرف ارضه أكثر مما كنا نعرف أسلحتها.
الجندي الإيراني في الحرب العراقية الإيرانية
كان الجندي مدعوما بالدولة ونظامها وقوانينها وقدراتها العسكرية والدعم الذي تلقاه من الصين وكوريا الشمالية وبعض الدعم الأمريكي مع تقدم العراق العسكري على إيران الا ان الجندي كان مغطى من الحاضنة الشعبية ومدعوما ايدولوجيا كأن يترسخ الايمان بالموت من اجل المقدسات وحمايتها وأيضا التسلح بالتضاريس القاسية في ايران وتكتيكات حرب العصابات امام حرب عراقية كلاسيكية جعل ايران تخرج من الحرب 1980-1988 صامدة وان خسرت 500000 جندي. لا ننسى ان المعركة كانت مع جيش دولة أخرى على الحدود وليست على أراضي الدولة، الا في بعض المناطق التي تمت السيطرة عليها، الا انها كانت سيطرة حديثة.
بالمقابل، الجندي الأمريكي بالحرب على العراق، حصل الجندي الأمريكي على كل ما يحتاجه من غطاء عسكري وتكنلوجي وخيانة من بعض المواطنين على الأرض والاكل والشرب ووجود المجندات مع الجنود والتواصل مع العائلات، الا ان الجندي الأمريكي شعر ومازال بالهزيمة المدوية وانتحر حتى الان ومنذ 2001 أكثر من 30000 جندي امريكي خدموا في العراق. وذلك لحقيقة واحدة وهي انهم غزاة ولم يستطع الجندي الأمريكي تجاوز هذه الحقيقة بحكم الموت والتفجيرات اليومية بالجنود الأمريكيين في العراق.
الحرب في يوغوسلافيا:
ورث الجيش الصربي ارثا من الجيش اليوغوسلافي والذي كان الجيش الرابع في أوروبا وكانت التدريبات سوفياتية صلبة وتسلح الجندي الصربي بالخبرة الطويلة وبالمهارة والصلابة والمعدات مثل الهاون والمدفعية كما جرى في حصار سراييفو 1992- 1996 وتسلحوا بالدافع القومي والديني وقرروا تطهير الكرواتيين والالبان والبوشناق وظلت الوحدات قاسية جدا متسلحة بالتضاريس أيضا كما في جبال كوسوفو 1998 – 1999 وتسلحت الوحدات بالدعم الروسي أيضا وبالأنفاق في الجبال التي احتوت على المصانع والمستشفيات المدنية . أيضا اختارت القيادة الصربية سياسات الترهيب من خلال ارتكاب جرائم التطهير العرقي ولكنها هزمت بعد حرب التحالف عليها.
المجاهد الشيشاني: أسطورة جبال القوقاز:
جعل الشيشاني ارضه عبارة عن مقبرة للجندي الروسي المجهز والمعروف بانه من اقوى جيوش العالم، الا ان هذا المقاتل كان مدعما بالتمرس على الحركة والقتال بالجبال والغابات والأرض الوعرة في جبال وكهوف القوقاز مثلا، فالتضاريس كانت أداة دفاعية ممتازة لهم.
إعداد الشيشاني من صغره على أساليب القتال وبنيته الجسدية ومده بالروحانيات ودعمه من الجهاديين في العالم وبعض الدول جعله يدخل بحرب المدن مثل معركة غروزني 1994 التي أصبحت فخا للدبابات الروسية وظلوا يقاتلون 15 عاما حتى نفذت الذخيرة وانقسم المقاتلون.
ولنا بحروب أخرى أكبر الدروس مثل الحرب الامريكية في أفغانستان: أفغانستان مقبرة الإمبراطوريات
والأمريكيون في الصومال: حينما (تحولت) قوات أمريكية من حماية المساعدات الى قوات غازية واصطدمت بمقاومة شرسة اجبرتها على الانسحاب.
واليمني الشرس المتمرس بالطبيعة اليمنية كان بمواجهة الحلف العربي والحصار الغربي.
نقارن ما حصل عليه الجندي والمقاتل في الحروب السابقة بمقدرات المقاتل الفلسطيني بحرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على قطاع غزة 2023 – 2025 لنجد ان:
- المقاوم يتعامل مع جيش يقيم ويسيطر على الأرض منذ 77 عاما وليس غريبا عنها كجيش غازي جديد يتجاوز او لا يتجاوز حدود الدولة.
- تضاريس قطاع غزة صعبة جدا للقتال الدفاعي بحكم انكشافها وطبيعتها الصحراوية الساحلية، ولو ان هذا الامر هو الذي مكن المقاومين من حفر شبكة أنفاق هي ذخيرة الحالية للمقاومة.
- انحسار المساحة الجغرافية في 360 كم معزولة عن العالم بفعل حصار لأكثر من 18 عاما يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة
- الكثافة السكانية وعدم القدرة على تجنيب المدنيين ويلات الحرب، مع تعمد إسرائيلي على استهداف للمدنيين للضغط على المقاوم الفلسطيني وارتكاب الإبادة الجماعية بحقه.
- رواية الاحتلال وشيطنة المقاومة وعزلها عن الامتداد الجيوسياسي، والاقتصادي، والعمق القومي.
- الانقسام المتجسد بأذهان نسبة لا يستهان بها بالمجتمع وبالتالي ضرب جزء من الحاضنة الشعبية.
- غياب الغطاء السياسي الرسمي، بل وأحيانا بدعم رسمي فلسطيني للاحتلال من اجل انجاز التخلص من المقاومة الفلسطينية او على الأقل صمت على الجريمة من اجل ضمان العودة الى غزة على الدبابة الإسرائيلية.
- سياسة التجويع الضاغطة على الناس خارج الانفاق وداخلها، تجويع الأهالي وبالتالي تجويع المقاتل المحاصر داخل الانفاق دون ضوء الشمس والطعام والشراب والام الحزن على فقدان الرفاق والاهل والممتلكات الخاصة له وعلى مدى عشرين شهرا.
- تقلص الأدوات يوما بعد يوم دون إمداد لوجستي الامر الذي يبدد الامل شيئا فشيئا.
- خيبة الامل الكبيرة من فقدان العدالة في العالم وعجز الداعمين المفترضين والمتضامنين عن وقف الإبادة الجماعية وإدخال الطعام والدواء. والاحساس بأن المعركة هي كونية ضد المقاتلين كمقاومين ضد احتلال يعتبره كل العالم تقريبا بأنه احتلال ظالم وغير قانوني. كذلك انغلاق الأفق السياسي وابعاد إمكانية انجاز المهمة وتحقيق نصرا ما.
- الإصابات المستمرة وغياب الخدمات الطبية، فمن يصاب يعد خسارة كبيرة، ناهيك عن عدد الشهداء المرتفع.
- الاختراق الأمني من خلال العمل الاستخباراتي الإسرائيلي ووسائل الاتصال التي يسيطر عليها الاحتلال والدعم التكنلوجي المهول ان كان للمراقبة والتجسس او للاستهداف وخسارة عدد كبير من القيادات الميدانية والسياسية.
- الموارد الطبيعية شبه المعدومة او المخفية مثل الغاز والمياه وذلك بحكم سرقة الاحتلال لهذه الموارد وضرب مولدات الطاقة والماء الصحي والاتصال وحتى الموارد الحيوانية والزراعية وضرب كل المقدرات الصناعية.
- غياب الاعلام الدولي والصحافيين الأجانب الذين يسمح لهم بالجلوس في صالونات العدو للحصول على المعلومة من الاحتلال نفسه وبالتالي ضرب السردية الفلسطينية وصورة المقاوم. وان فشلت هذه الأداة الا انه لها الأثر الكبير.
بالنتيجة: فان كل الحروب التي دارت في القرن العشرين بغالبيتها هي لجيوش مقابل جيوش لدول، وحتى حينما كانت الحروب على قبائل ومجموعات اثنية فقد كانت الإمكانات كبيرة لتلك الكيانات، لا تقارن مع إمكانيات المقاوم الفلسطيني البسيطة. كما ان تحديات التكنلوجيا وتطور الأسلحة بتسارع كبير يجعل مقاومتها أمرا شبه مستحيل.
دولا كانت او مجموعات .. حصل الجندي والمقاتل في تلك الحروب على كل الأدوات الداعمة من اجل ان ينتصر ومع ذلك لم تصمد دول كثيرة امام تحدي الحرب والحصار، انهزمت جيوش كبرى مع كل الدعم للجندي وسقطت قيادات ودولا في مواجهة المقاتل على ارضه والجندي الذي يمتلك الفكرة والانتماء لها. التعبئة الروحانية تلعب الدور الأكبر في الصمود. وتقهر جيوش الغزاة.
في الوضع الفلسطيني لم يمتلك المقاتل المقاوم أساس الدولة والجيش والقرار العسكري والرقابة العسكرية ومشروع الدولة الاستراتيجي والتكتيكي ومقومات هذه المشاريع على اعتبار ان المشارب السياسية مختلفة لدى المقاوم الفلسطيني من يمين ويسار واسلامي وعلماني وقومي دون وجود مشروع وطني واحد يجمعهم او يجمعوا هم عليه.
لا يوجد إجبار للمقاوم ان يذهب إلى القتال وإنما هو مسلك بخيار شخصي. فلا داعي لنظام المحاسبة عند التراجع، فالمقاوم هو الذي يبادر الى التقدم وهو ليس بحاجة الى المخدرات لارتكاب جرائم حرب او ليمتلك الجرأة، فهو يؤمن بمقاومته لمحتل سارق للأرض وقاتل للإنسان ومزيف للتاريخ ولا يريد الا الاحلال بمكان الفلسطيني ولذلك نراه لا يتأخر ولا يتردد ولا يتقهقر حينما تلوح الفرصة لأيلام العدو، بل انه هو من يصنع الفرص لذلك كما يصنع بندقيته ورصاصاتها وقاذفه ومقذوفاته بيده، تلك المعدات التي اشتراها في بعض الأحيان من ماله الخاص لأيمانه بان الشهادة امنية والتضحية في سبيل الله والوطن، واجب ومحل فخر واعتزاز.
لا يشعر المقاوم الفلسطيني بانه يقوم بعمل وظيفي ينهيه خلال ساعات عمل او أيام من الخدمة ويعود ليقضي العطلة مع عائلته.
وبالتالي ما يقوم به المقاتل الفلسطيني المقاوم لجيش الاحتلال على الأرض الفلسطينية المحتلة هو معجزة حقيقية تحتاج الى دراسة معمقة.
توصيات:
- على الفلسطينيين الاستثمار بفخر صناعتهم الوطنية هذه لتكون السلاح الفلسطيني الاستراتيجي
- العمل بكل السبل من أجل تثبيت حق الفلسطيني بمقاومة محتليه وقدسية تلك المقاومة المشروعة وعدم المساس بفكرتها وضرورتها او استمراريتها طالما استمر الاحتلال.
- عدم التراجع ولا بأي شكل من الأشكال عن الاستمرار بالمعركة الإعلامية والسياسية وحرب السرديات ووصف الإسرائيلي بمرتكب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.
- الإبادة ابتدأت عام 1948 وقتلت ما يقارب 200000 فلسطيني.
إن ما يقدمه المقاومون الفلسطينيون اليوم هو أعظم دروس التاريخ: أن الشعوب التي تؤمن بحقها لا تقهر. هذه التجربة الفريدة يجب أن تتحول إلى مدرسة عسكرية تدرس في أكاديميات الحرب كنموذج نضالي للشعوب المقهورة ورصيد إستراتيجي للقضية الفلسطينية
من لا يتعلم من التاريخ، يُكرر أخطاءه".. وإسرائيل التي لم تتعلم من دروس التاريخ في فيتنام ولبنان وأفغانستان، تُقدم اليوم لشعب غزة فرصة ذهبية لكتابة فصل جديد من فصول المقاومة الخالدة.
*كاتب إعلامي وصانع محتوى ثقافي وسياسي بلجيكي من أصل فلسطيني

